عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

46

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

تأدى من قوة إلى قوة ، حتى انتهى إلى أقصى قواه من أسفل التي من أفق الحيوان أعني حس البصر ، وحس السمع ، وإما لجهة أخرى دون ذلك وهو أن يسمع ولا يبصر فيصير كأنه من وراء حجاب ، كما قال تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [ الشّورى : 51 ] فإذا سمع ذلك الوحي وجد في قلبه له روعة ثم تبعه سكون يقع منه اليقين وفي كلتا الحالتين يعمّ العمل الذين هم أبناء جنسه على الطريقة المثلى التي تؤدي بهم إلى الصراط المستقيم ، وتأديبهم بالآداب التي تجري من نفوسهم مجرى الطب من الأبدان ، لتسلم نفوسهم من الجهل وعملهم من الخطأ ، وسعيهم من الضلال وتقودهم إلى الشريعة التي شبهت بشريعة الماء ، أعني الطريق إليه ، فإن العرب تسمى الطريق إلى الماء شريعة ، فالشريعة أيضا هي الطريق إلى اللّه تعالى ، فالنبي - صلى اللّه عليه وسلم - ولهذا الأمر مطيع للّه تعالى يركب فيه كل صعب ذلول ويستهين فيه بالموت وأنواع الشدائد ، ويحتمل ضروب الأذى والمكاره ، ومن خاصيته أن يكون له قوة عظيمة في الإقناع بالكلام وتأييد عظيم في قوة كل إنسان إلى رأيه ، وصرف الخواطر إلى ما يورده على الأسماع بإقناعاته وله قدرة على ضرب الأمثال وإبراز تلك الحقائق التي هي مقررة عنده في معارض مختلفة وتشبيهات ملائمة ، ثم إنه مختص بسير وأخلاق مذكورة في سير الأنبياء وأخلاقهم ، ومجتمع فيه خصال كريمة وفضائل يتميز بها عن غيره ، ولا تكون مجتمعة في سواه . وأما النبي الغير مرسل فإنما يلوح له ما يلوح من حقائق الأمور ويتجلى له في الأفق الذي ينتهي إليه ما يكون فيضا من فوق ولا يكون مرتقيا إليه من أسفل بالتعليم والتدريج ، ولا يكون مأمورا بأمر يتحمله ولا يبلغ من قوته فيما يلوح له من الأمور أن يتجاوز القوة الفكرية ويتأدى إلى الخيالية وما يليها ، إلا أنه ربما خوطب بما يسمعه ويسمى مناجاة ، أو يسمع من الهواتف ، وهو إنسان شريف جدا من بين الناس مخصوص بفيض يأتيه من الحق وبأن يوحى إليه في المنام ويكون مقررا لأديان الرسل ، داعيا إلى شرائعهم ، ويحكم بين الناس بالكتب المنزلة عليهم كما أمر . واللّه أعلم . الفصل السابع في الفرق بين النبوة والكهانة اعلم أن مستند النبوة هي الحضرة الربوبية . وأن مستند الكهانة هي النفس الإنسانية بأن للنبوة مقامات ومراتب تستند إلى الحضرة . وللكهانة مقام ومرتبة واحدة تستند إلى النفس ، كما سنبينه إن شاء اللّه تعالى . فأما مقامات النبوة ومراتبها :